غزة- أمل حبيب
يُخيفها الليل كما الذكرى والمطر، تمّر من هناك علّها تسمع خبرًا عن حازم، كيف اختفى، هل ابتلعه البحر!
تعود إلى تفاصيل تلك الليلة من ليالي رمضان التي ودّعهم فيها متّجهًا لدوّار النابلسي على شارع الرشيد جنوب غرب مدينة غزة علّه يحظى بكيس من الطحين!
ينتظر حازم قاسم 26 عامًا مع جيرانه وأقاربه والأصحاب شاحنات المساعدات المحملّة بالدقيق، يريد كيسًا واحدًا يحمله على ظهره، يعود به إلى أطفاله ليسكت جوعهم!
في شمال وادي غزة ماتت الناس جوعًا، دفع المئات من شباب المدينة أرواحهم ثمنًا للحصول على كيس من الطحين، نامت غزة قهرًا على أبنائها الذين فقدتهم عند دوّار الكويت شرقًا، ودوار النابلسي غربًا!
وصل الحال بأهل (الشمال) أن يتقاسموا طعام الدّواب من الشعير والعلف، كما كان طبقهم لأشهر طويلة من أوراق الشجر.
في الـ 28 من شباط العام الماضي بدأ التوافد والتجمع عند دوار النابلسي، عندما وصلتهم اشارة بقدوم شاحنات المساعدات الإنسانية، انتظر حازم لساعات حتى أقبلت الشاحنات فجرًا، وهنا بدأت المجزرة التي راح ضحيتها العشرات من الضحايا، وبقي غيرهم في عداد المفقودين.
منذ سمعت جمانة بخبر مجزرة دوّار النابلسي وهي تدور حول المستشفيات، في الأقسام، تنادي اسمه بين الجرحى، تبحث بين الأكفان عن وجه حازم، ولكن لا أثر!
تقول جمانة والحسرة تأكل قلبها: "ذهب زوجي كغيره من الشباب للمبيت بالبحر عند دوار النابلسي، عند الساعة الثالثة فجرًا أخبرني بوصول شاحنات المساعدات".
توقفت الزوجة كما تلك الساعة التي فقدت فيها الاتصال بزوجها هناك، تكمل حديثها:" تم استهدافهم بشكل مباشر، كل ذنبهم أنهم أرادوا الحصول على طعام لصغارهم!".
لم يتوقف البوح، تواصل زوجة حازم حديثها موضحة أن الاحتلال الإسرائيلي يسمح بإدخال القليل من المساعدات، وعندما تقترب من جموع الناس ويبدؤون بمحاولة سحب أكياس الطحين، يقوم الاحتلال متعمدًا بفتح النار عليهم بشكل مباشر وقتلهم.
عائلة حازم باتت تكره سماع اسم الدوار، وباتت تكره رؤية كيس الطحين، ولم تعد أفراد العائلة تتذوقه، حيث تصف جمانة الطحين بأنه مغمّس بالدم والفقد، والحسرة، واللوعة والفراق.
تريد جمانة حقها، حق أطفالها في معرفة مصير والدهم، تعيش على الأمل، لكنها تخاف من خيبة الأمل!
"أريد فقط معرفة مصير زوجي، هل هو على قيد الحياة أم معتقل، أنا لا أستطيع العيش مع مصير مجهول!"
هذا ما تردده جمانة، تصرخ به في وجوه الجهات الرسمية، تتواصل مع الصليب الأحمر، لكن لم يصل أي خبر عن حازم.
….
ثم كيف تختم الحبيبات حديثهن عن الغياب:"كل يوم بفكّر فيه، بحكي معاه، يمكن يسمعني، يمكن يرد، يمكن تبرد نار قلبي".
مواد مشابهة
غزة.. المفقودون بين السجون والركام
بعد سنوات من الانتظار، صار مطلب عائلات المفقودين في غزة بسيطًا وقاسيًا: أن تعرف أين أبناؤها، أحياء كانوا أم أم...
بين النقب ومجدو.. اختلاف الجغرافيا لا يغيّر واقع الاحتجاز
قد تختلف الجدران، والأقسام، والحراس، وأسماء الأسرى، لكن الشهادات الواردة من داخل مجدو والنقب، إلى جانب ما توثق...
عدنان البرش طبيب دخل عوفر حيًا وبقي جثمانه محتجزًا
بعد أكثر من عامين على ذلك اليوم، ما يزال جثمان رئيس قسم العظام في مجمع الشفاء الطبي محتجزًا لدى السلطات الإسرا...